لشعر الإسلامي المعاصر بقلم:د.جميل حمداوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لشعر الإسلامي المعاصر بقلم:د.جميل حمداوي

مُساهمة  رفاعي وافتخر في الجمعة سبتمبر 21, 2012 12:08 pm


الدكتور جميل حمداوي

لا أحد ينكر أن الشعر الإسلامي ارتبط بظهور الدعوة الإسلامية مع نبينا محمد (صلعم)، ذلك النبي العظيم الذي كلف بتبليغ رسالة القرآن لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ لذلك شمر الشعراء عن سواعدهم للذب عن الدين الجديد و مجابهة أعداء الرسول و هجاء قريش ومدح النبي الأمين، وخير هؤلاء الشعراء المؤمنين نجد: حسان بن ثابت و عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك و كعب بن زهير.

ولم يكتف شعر صدر الإسلام بتسجيل الغزوات و نشر الإسلام و ذكر سيرة الرسول ( صلعم)، بل رافق الفتوحات الإسلامية مشرقا و مغربا، وهنا " يزيح الشعر عن وجهه نقاب الحياء و الخفر الذي كان قد اتشح به أيام النبي، و ينهض كاشفا القناع مشدود القامة مفتول الساعدين جزلا مدويا. ينتصر الفرسان في الحرب على صهوات الخيل فيسجلون انتصاراتهم في كثير من الزهو و الفخر اللذين كانا قد احتجبا بعض الوقت أيام الرسول" (1).

وتنوع الشعر الإسلامي بعد ذلك وصار أغراضا و فنونا وأنواعا في العصرين: الأموي والعباسي، إذ واكب الصراعات السياسية و عبر عن حياة الناس و ذواتهم الوجدانية( الغزل العفيف...)، فأصبحنا نسمع عن شعر الزهد وشعر التصوف و التوبة و شعر الأمثال و الحكم و المديح النبوي و رثاء المدن خاصة في الأندلس و الشعر التعليمي و شعر الجهاد و المعارك ضد أعداء العروبة و الإسلام.

ومع عصرنا الحديث ظهر الشعر السلفي أولا، والشعر الإسلامي ثانيا، ليقفا في وجه الاستعمار الذي استهدف استغلال ثروات الشعوب الإسلامية و طمس معالمها الحضارية و القضاء على هويتها الدينية و تفريق أبنائها و تشتيتهم بعد تقسيم هذا الوطن الإسلامي الكبير إلى دويلات و إمارات و القضاء على الخلافة الإسلامية في تركيا.

ولم يتصد الشعر الإسلامي للاستعمار فقط، بل واجه ظاهرة التغريب و كل أنواع الانسلاخ الحضاري، وواجه بعنف و شراسة الإيديولوجيات البشرية الزائلة مثل الماركسية و الشيوعية و الرأسمالية و الوجودية و كل التصنيفات المدرسية في مجال الأدب مثل: الكلاسيكية و الرمزية و الرومانسية و السريالية و الواقعية الاشتراكية واللامعقول...

وكانت كل هذه التيارات تصدر عن رؤى فلسفية غربية تعبر عن الضياع و القلق و المنطق الغربي و التمزق الذاتي و الحضاري وتبشر بتصورات بشرية سرعان ما تؤول إلى الزوال و التجاوز و البحث عن بديل نظري آخر، وهذا إن دل على شيً فإنما يدل على مدى الحيرة و التردد و العبثية و الروح السلبية و النظرة المأساوية.

هذا، وقد عرف العالم العربي و الإسلامي نكبات و نكسات و هزائم متوالية شرقا وغربا مابين الأربعينيات و السبعينيات مما أفرز شعرا معاصرا ينافح عن التصور الإسلامي منذ سنوات السبعين إلى يومنا هذا ويسمى بالشعر الإسلامي المعاصر أو القصيدة الإسلامية المعاصرة لمواكبة الأحداث التي تمر أو مرت بها الأوطان العربية والإسلامية، واتخذ هذا الشعر الإسلامي ثوبا جديدا و تسلح بأدوات جمالية معاصرة و حدد أهدافه بشكل دقيق وواضح لخدمة الرسالة الإسلامية المنوطة به.

ومن الشعراء الإسلاميين نجد: حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي ومحمد بنعمارة وعبد الرحمــــن عبد الوافي وأم سلمى و محمد المنتصر الريسوني و فريد النصاري من المغرب، ومحمد التهامي و عصام الغزالي وأمين عبد الله سالم و صابر عبد الدايم و عبد المنعم العربي و عبد الله شرف وعبد المنعم عواد يوسف ومحجوب موسى وأحمد محمود مبارك وأحمد فضل شبلول ومحمد فؤاد محمد علي وحسين محمد علي و يس الفيل وطاهر محمد العتباني من مصر، ومحمود مفلح و حلمي الزواتي من فلسطين، ومصطفى النجار و عمر بهاء الدين الأميري و سليم زنجير و محمد الحسناوي من سوريا، ويحيى حاج يحيى من الأردن، وأحمد مطر وحكمت صالح من العراق، وبحري العرفاوي من تونس، وحسين عبروس من الجزائر، ومبارك الخاطر من البحرين، وعبد القدوس أبو صالح من السعودية، ومحيي الدين عطية من الكويت.

وتتمثل وظيفة الشاعر ضمن تصور الشعر الإسلامي في الالتزام بالحقائق الربانية وبمبادىً الإسلام، والترقية بالإنسان نحو الأفضل عقليا ووجدانيا ودينيا، ومحاولة تغييره من الأسوإ نحو الأحسن. ويتناقض الإسلام كليا مع الالتزامين: الماركسي و الشيوعي؛ لأنه قائم على التوازن بين المادة و الروح والفرد و الجماعة، ويقول محمد علي الرباوي- وهو من شعراء المغرب الإسلاميين- " إن الشاعر حين يكتب، فإنما يكتب انطلاقا من عقيدة معينة، هذه العقيدة هي التي تملي عليه الشكل و المضمون، هي التي توجهه لاختيار هذا الحل أو ذاك، فكذلك الشاعر الذي يرفض كل العقائد المستوردة ليلتزم بعقيدة سماوية. هذه العقيدة ذات النظرة الشمولية، هي التي توجه خطه الفني و الموضوعي"(2).

أما عن وظيفة الشعر فتكمن في ريادة الناس وقيادتهم نحو الصراط المستقيم، والتغيير و الهداية، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، و الإرشاد والوعظ و المناجاة، و التعبير عن التجارب الوجدانية الذاتية و الموضوعية. وفي هذا الصدد يقول أحد الشعراء الإسلاميين المعاصرين:" أومن أن الشعر إذا خلا من عنصر الذات سقط. لهذا تجد عنصر الذات في كل شعري حتى تلك الأشعار التي يبدو فيها الطابع الموضوعي واضحا، ذلك أني لا اكتب إلا بعد معاناة، والمعاناة هي البوتقة التي تنصهر فيها الذات"(3).

ومن سمات رسالة الشعر الإسلامي المعاصر: الالتزام، والصدق الفني و العقدي، والإنسانية، والوعي بالمهمة المنوطة بها، وتحمل الشاعر لمسؤولية التغيير.

وبناء على ما سبق، من الضروري أن يكون للشاعر الإسلامي رؤية للإنسان والكون نابعة من التصور الإسلامي" إن الأدب لابد أن يستند إلى معتقد، وأن يصدر عن تصور يكون خلف التعبير، وقد أدى الارتباط الخطأ و فساد التصور على زيادة قلق الإنسان و زيادة آلامه المضنية فإذا أحسنا ربطه بالعقيدة الإسلامية صححنا مساره، وهيأنا له فرص إبداع عظيمة" (4). وعندما يتمثل الشاعر الإسلامي العقيدة و يتشربها في شعره وسلوكه، يرتبط بالحياة ليشارك" الأمة في تحقيق أهدافها الإيمانية الثابتة و المرحلية، وليساهم في عمارة الأرض، وبناء حضارة إيمانية ظاهرة، وحياة إنسانية نظيفة، وهو يخضع في ذلك كله لمنهاج الله الحق المتكامل قرآنا وسنة"(5).

ويشترط كثير من النقاد الإسلاميين أن يكون الأديب مسلما يتمثل خصائص الأدب الإسلامي موضوعا و عقيدة وفنا وسلوكا و عملا، وهناك من يرى أن " الشاعر الإسلامي هو ذلك الشاعر الذي ينطق معظم شعره بالعاطفة الإسلامية، ويعالج في قسم من قصائده مشاكل الإسلام و قضاياه، على ألا يكون في سائر شعره ما يخالف عقيدة الإسلام، أو يناقض مواقفه الإسلامية الصادقة في قصائده الأخرى. إذاً، هو الشاعر الذي يحيي الإسلام بكل معانيه في جميع مجالات الحياة ويلتزم ذلك كله في شعره"(6).

ومن ثم، فالشعر الإسلامي هو شعر الحق و التغيير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وتهذيب النفس الإنسانية وتطهيرها من شوائب المادة والطمع وتضمين معاني القرآن و السنة في ثوب شعري جميل و سام، والجمع بين خطاب الإمتاع وخطاب الإقناع، وتبني الرؤية الإسلامية للقيم و الوجود والإنسان. والشاعر الإسلامي " واع كل الوعي بما يكتنف واقعه من مخاطر تحدق بالأمة و قيمها، وبكل من يحمل هم هذه الأمة ويقف في صف المستضعفين، والمخاطر لاتثنيه عن أداء رسالته في اتجاه تكريس القيم الأصيلة و الخالدة"(7).

إن الشاعر المسلم الحقيقي هو الذي يغرس القيم الفاضلة وينور الإنسان بالمثل العليا:

أنا منذ أطلقت العنان لأحرفي

وبدأت أطلق بالقلمْ

أدركت أن الدرب مذأبة

وأن الحروف مسغبة

وأني إن مت... سأموت من أجل القيمْ

ولأجل هذا صنفت في الشكوك...ووزعت فيﱠ التهمْ (Cool

ويرى محمد مفلح أن الشعر الإسلامي من سماته الإيمان و الجرأة و الثورية والصراخ في وجه الظلم و الباطل والهداية وتنوير الحقيقة و الحياة:

شعر يــــموت وآخـــر يـــــتســـــكع وعــلى الفـتات على المـوائد يــــــسرع

هذا يمد على الـــسحاب جــــناحــــه وســــــواه في حـــمإ الرذيـلة يرتــــــــع

هل يســـــتوي الشعران: شعر مؤمن ومدجـــــــــج بالـكــفر لا يـــــــــــتورع

هل يستوي السيف الذي هتك الدجى والآخر المـــــــــتزلف المتــــــــــصنع(9)

ويقول كذلك: (10)

والشعر مرآة الــشعوب فإن ســمت فالشعر أسمى ما يقــــــــال و يـــــــبدع

وإذا أضاعت في الو حـول جبينهــا فالشعر منها عند ذلك أضيــــــــــــــــــع

والشعر صـــوت الحق في آفاقنـــــا لو كان من ثـدي الحقيقة يرضــــــــــــــع

والـشعر قنـديل الـهداية تـــــــــــارة والشـعر إعصار يهز و يـــــــــــــصــــرع

حسب القــــصائد أنها لا تنحـــــــني إلا لـجبار السمــــــــــــــاء و تركـــــــــــع

و الشاعر الإسلامي هو الأديب الملتزم بالصدق الفني و الحقيقة العقدية الذي يرفض الزيف و البطلان والظلم والنفاق والإكثار من الأقنعة، إنه شاعر ثائر على أنظمة الاستبداد و الجور. وفي هذا يقول أحمد مطر:

إنني المشنوق أعلاه

على حبل القوافي خنت خوفي و ارتجافي

وتعريت من الزيف وأعلنت عن العهر انحرافي

وارتكبت الصدق كي أكتب شعرا

واقترفت الشعر كي أكتب فجرا

وتمردت على أنظمة خرفي

وحكام خرافي...

وعلى ذلك...

وقعت اعترافي. (11)

ويمكن حصر المواضيع و القضايا التي انصب عليها الشعر الإسلامي المعاصر في المواضيع المحلية و الاجتماعية و الوطنية و القومية و السياسية والدينية و التاريخية و الإنسانية والحضارية و الفكرية و الذاتية و التجارب الجمالية و الفنية.ويعني هذا أن الشعر الإسلامي يتناول ماهو ذاتي وما هو موضوعي بعاطفة إسلامية متقدة بالإيمان و العقيدة الإسلامية الراسخة في حدود العقل و الخيال المقبولين القائمين على الصدق و الحقيقة والإيمان و العمل الصالح.

فعلى المستوى القومي، تناول الشعر الإسلامي المعاصر نكبات و هزائم الأمة العربية مثل: نكبة فلسطين لعام(1948)، وهزيمة حزيران(1967)، وحرب أكتوبر(1973)، ومآسي فلسطين و لبنان، وصراع الأفغان ضد الروس، وقضية البوسنة و الهرسك، وقضية كشمير، وما يتعرض له الشيشان من اعتداء إرهابي من قبل القوات الفيدرالية الروسية الظالمة، إلى جانب مواضيع أخرى تتعلق بالأمة العربية على المستوى السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي والحضاري و الديني.

فهذا الشاعر المغربي حسن الأمراني يعلن العودة إلى فلسطين عبر الجهاد و الكفاح و إسقاط نظام الجور و الاستبداد باسم الدين و الإسلام:

هبت النار على الأحرف

فالأحرف نار

يسقط الآن الحصار

لاتقل:نحن انتهينا

إننا نبتدىً الآن

وفوق الجرح نوّار و غار

إننا نفتح بوابة تاريخ فلسطين المجيدة

إننا نرفع، باسم الله، فوق السور و الصخرة

و القبة و القدس العتيدة

راية التوحيد و العودة...

فاقرأ(سورة الفتح) لقد حم القرار(12).

ويستعين حسن الأمراني بصلاح الدين الأيوبي باعتباره رمزا تاريخيا في الجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين من قبضة الصهاينة، وأن الحل الوحيد لاسترجاع القدس السليبة هو الجهاد و الاعتصام بحبل الله و تطبيق شريعة القرآن:

كنا من أغوار الجب نناديك:

صلاح الدين

صلاح الدين

ناجيناك عسى تمنحنا سيفا

يقطع رأس التنين

لكنك ما جئت

ولا في اليرموك تجلى سيف الله البتار

و النسوة خلف القوم بأسياف

تترصد من ولى الأدبار

لكني أبصر صوتا يخترق الأحقاب

لن يبلغك القدس سوى درب واحد:

سيف و كتاب(13).

وقد صارت القضية الفلسطينية موضوعا لكل شاعر إسلامي معاصر سواء أكان فلسطينيا مثل: محمود مفلح و حلمي الزواتي أم غير فلسطيني مثل: حسن الأمراني الشاعر المغربي أو مصطفى محمد الغماري الشاعر الجزائري الذي يتهم الطغاة اليهود بالكفر و الاعتداء على أرض الله ويحرض المسلمين على الجهاد و التحدي:

ضاعت فلسطين... قلناها و قلناها

ويشهد الله أنا قد أضعناها

ظل التآمر يطوينا و نحسبه

وجها من السلم ما ننفك نهواها

تظل تعلكنا أيامها رهقا

وندمن آلاه...نفنى في حمياها

نقول: يا ليل، يرتد الصدى صدأ

مرا... ويا قدس ننعاها مراياها

أيامنا في لهاة العصر لاهثة

وليس إلا ظلام الكفر يغشاها

وأرضنا للألى باعوا ملامحها

واستبطنوا الكفر أضداد وأشباها (14).

ويقول داعيا إلى الجهاد مستنكرا تخاذل العرب و تقاعسهم:

من يرد التتار

آه لا سيف سيف

ولا درب درب

ولا الدار دار

من يرد الرياح التي سلبت(ذا يزنْ) ؟

سلبته اليُمْنَ

سلبته الخمائل

و الدرب... لاشفة

والعيون انكسار

نحن نحن الشهود

يا زمانا يتوج فيه اليهود (15).

ومن قضايا القصيدة الإسلامية المعاصرة قضية الهجرة إلى الله تلك القضية التي تغنى بها معظم الشعراء الإسلاميين في قصائدهم حيث اختلط فيها التصوف والمناجاة والتذلل إلى الله سبحانه و تعالى، إذ يبين الشاعر الإسلامي هروبه من عالم الأدران والجسد والمادة والتفسخ الأخلاقي و الحضاري معلنا هروبه إلى عالم الروح لمعانقة الذات الربانية الجميلة والارتباط بالحضرة القدسية وأنوار التجلي الإلهي رغبة في معاينة لحظة الكشف واللقاء النوراني عبر مراحل التجربة الصوفية: مرحلة التحلي ومرحلة الخلوة ومرحلة الوصال والسكر الرباني:

أتيــــك أعــــــــــلن ذلي و فقري وأسفح فوق رياضـــــــــك زهري

أتيـــت أناجيك، أســلو وجودي وأنشر كالفـــــــجر سري و جهري

أتيتك أنــت حبـــيبي وربـــــــي وأنت محير قلبي و فكـــــــــــــــري

جمالك، أي جمال عجـــــيـــب تذوب به مهـــجتي أي سحــــــــــــــر

جلالك أي جــــلال مهـــــــيـب يبارك خــيري و يطرد شــــــــــري

إلهي إذا ضاع عمري و روحي تغرد باســمك ما ضاع عمـــــــــــري

أطير إليك هزار هيـــــــــــــام وأحمل صـوتي الخجول و طهـــــري

أطير إليك سفينة شـــــــــــوق يدافعــها الموج في كل بــــــــــحــــر

وأركض نحوك راهـب ليــــل وأجري وحولي العواطف تجــــــــري

فكن لي حماي وكن لي هـــداي وكن لي قواي و زادي وذخـــــــــري(16)

وقد دافع الشعراء الإسلاميون عن المقدسات الدينية، ودعوا إلى احترامها، ووقفوا في وجه شعراء التغريب والتشكيك والحداثة الموهومة كما نجد عند أدونيس صاحب الثابت و المتحول، وكذلك لدى صلاح عبد الصبور و محمود درويش الذين حاولوا المس بهذه المقدسات رغبة في الادعاء، واكتساب السبق في الانزياح المستلب عن الموروث أو المقدس الديني؛ لإرضاء الغرب وجوائزه المسمومة، وفي هذا الصدد نورد مقطعا شعريا لأدونيس:

أفكار تجرها المآذن في مــــــــساجد قديمة الرأس، حديثة الركبة، في

مدينة ولدت مع الماء، في مـــــــساجد، أسوار لا تعــــــــتمد إلا على

أنفاس ترتفع أعمدة يـــــــقال أنها آهات المصـــــــلين، في أفق: كل

شيً فـــــــــيه فـــــــقد وظيـــــــفتـــــــه، ولا يـــــــــــــــــــــــــــزال

كل شيً يجـــــــــلس حيث هو – بين جدران: لكل جدار وجهان مثل

جانوس، في بلاد بوجوه لا تحصى، في تاريخ أوثان: أقدم لك أيها

الخالق الذﱠكرْ.

ذبيحة أنثى، وغفرانك إن لم تقدر أن تهضمها في عالم لســــت أنت

الفقير إليه، بل هو الـفـــقير إليك، في نـــــــظام، كثيرا كان الإنسان

فيه كرسيا للإنسان...(17).

ويقول صلاح عبد الصبور ساخرا من الألوهية:

كان لي يوما إله، وملاذي كان بيته

قال لي: إن طريق الورد وعر فارتقيته

وتلفت ورائي، وورائي ما وجدته

ثم أصغيت لصوت الريح تبكي، فبكيت

وإله كان طفلا. وأنا طفل عبدته

وكل ما في الروض يهواه. ولكني امتلكته

كلما نغم في الأيكة عصفور لثمته

وإذا ثارت بنا الأشباح و الليل اعتنقته(18).

ولكن الشعراء الإسلاميين تشبثوا بالإيمان والتوحيد والتغني بالذات الربانية: عشقا وتوحيدا وملاذا، وانصهروا في نصوص روحية وجدانية عرفانية ارتبطوا فيها بالمناسبات الدينية كالمديح النبوي وزيارة الأماكن المقدسة ومواسم التبرك الديني والصوفي وصوم رمضان والإسراء والمعراج، وكانت هذه المناسبات حافزا كبيرا لمعظم الشعراء للتعبير عن عواطفهم المتقدة تجاه ربهم الواحد الأحد ونبيهم المحبوب، والرد على أنصار التبشير والتشكيك، وفي هذا الشأن يقول محمد علي الرباوي حامدا ربه، مستعطفا إياه، طالبا منه التوبة والغفران:

هل أقدر أن أعبر هذي الأدغال الفتاكة

إن عني أنت تخليت؟

لماذا يا مولاي خلقت هلوعا

إن مس جناني المحل جزوعا

أو مس جناني الوبل جزوعا

أدركني

من وسواس الخناس، وعلمني

أن أملأ دنياي بحمدك

لك الحمد إذ تعطي

لك الحمد إذ تمنع

أنا عبدك العاصي

فما شئت بي فاصنع

لك الحمد إذ تغضب

ولكنني. والذنب يزهر في قلبي

أمد دموعي نحو عرشك مدا، إذ

أنا عبدك الملحاح، في عفوك المنشور

كالنور يا مولاي ها إنني أطمع(18).

وقد التقطت القصيدة الإسلامية المعاصرة تجربة الاغتراب الذاتي والمكاني التي يعيشها الشاعر الإسلامي أينما حل وارتحل، ناهيك عن المعاناة التي تنتابه بسبب التمزق الحضاري والانسلاخ الديني وابتعاد الأمة العربية والإسلامية عن شريعة الله وكتاب الهداية والنبوة الساطعة، والاكتفاء بحياة الخنوع والتواكل والتخلف والتقاعس عن مواكبة التقدم العلمي والتقني، وفي هذا الشأن يقول الشاعر الإسلامي صابر عبد الدايم:

معــلق بــين تاريخي وأحـــــلامي وواقـعي خنجر في صـدر أ يـامي

أخطو فيرتد خــــطوي دون غايته وما بأفقي سوى أنـــقاض أنــغام

تناثرت في شعاب الحــلم أوردتي وفي دمائي نمت أشــــــجار أوهامي

مدائن الفجر لم تفــــــــتح لقافــلتي والخيل. ..والليل.. .والبيداء قدام

والسيف والرمح في كفي من زمن لكنني لم أغادر وقع أقدامــــــــــــي

وتحتمي باستواء الريح أشرعتــي والموج يقذفني أشلاء أنسام(19)

ويعاني الشاعر الإسلامي من الأحزان والهموم التي تعتصر قلبه و فؤاده بسبب انهيار الأمة الإسلامية وضياعها وانهيار قيمها ومعاناة الإنسان فيها لوجود الظلم والإحساس بالاغتراب بكل أنواعه وتكالب الاستعمارعلىأوطانها؛ هذا ما جعل الشاعر الإسلامي المغربي حسن الأمراني يظهر أوجاعه الدفينة وجروحه الكلمى ويصور معاناته اليائسة:

لن تقدري حزني

ولن تحتملي بعض همومي

بعض ما يضيق عنه الصدر من أشجان

فعالمي قام على بركان

لاشيً غير الموت يا إنسان

الموت في دمشق

في بيروت

في عمان

الموت في كابول، في طهران

الموت في بغداد

في وجدة

في أسيوط

في تونس

في وهران(20).

ويقول كذلك مبينا غربته ومعاناته الروحية والذاتية:

تغربت

فأدركني عصفور الحزن الوردي

تذكرت وصاياك العشر

بكيت على زمن لم أدخل فيه إليك

ولم أمسح ظهر جبيني

في أعتابك

كان الخوف يساكنني

والقلق الأخرس

والديدان الأخرى

وانفرطت حبات الكلمات(21).

هذا عن مضامين القصيدة الإسلامية المعاصرة، فماذا عن الجوانب الشكلية؟

فعلى مستوى الهيكلة، ينوع الشاعر الإسلامي أبنيته الفضائية والتشكيلية، فتارة يوظف البناء التقليدي القائم على نظام الشطرين ووحدة الروي و القافية على غرار القصيدة الكلاسيكية، وتارة أخرى يقوم بتوظيف الأسطر والجمل الشعرية المدورة مع تنويع الروي و القافية؛ لتتقارب مع بناء الموشح الأندلسي أو نظام المقاطع على غرار الشعر الغربي أو استعمال القصيدة النثرية استرسالا وانسيابا.

ومن حيث البناء، فالشاعر الإسلامي يوظف تارة بناء غنائيا بسيطا، وتارة أخرى يستعمل بناء دراميا مركبا قصصيا يعتمد على السرد والحكاية والتضمين القرآني والتوتر الدرامي، ويتخذ هذا البناء المركب صيغة جدلية تبدأ بالمعاناة وتنتهي بالأمل، والعكس صحيح كذلك، ويحضر البناء الديني في القصيدة الإسلامية المعاصرة، ولاسيما التفعيلية منها عندما يستعمل الشاعر أسلوب التضمين وأسلوب الدعاء والتضرع، علاوة على أسلوب الوعظ والنصح والإرشاد والجدال القرآني وخطاب الحديث.

ومن الناحية التناصية، يكثر الشاعر الإسلامي من المرجعيات التراثية والأصوات وإحالات الذاكرة وترسباتها الاقتباسية ومستنسخات اللاشعور النصي، أي أنه يتعامل مع التراث العربي والإسلامي كما يتعامل مع التراث الإنساني بصفة عامة مستندا في ذلك إلى التفاعل النصي الداخلي أو الخارجي إما محاكاة أو استفادة أو حوارا وخلقا وتجاوزا، ويسقط بعض الشعراء الإسلاميين في المحاكاة الحرفية والمعارضة الصرفة والاجترار أثناء التعامل مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بطريقة مباشرة كما هي واردة في مصادرها الأصلية دون تحوير أو تغيير أو استنطاق فني وجمالي.وهناك من يوظف هذه الإحالات التناصية توظيفا جماليا حسنا كما نجد عند حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي ومحمد بنعمارة، إذ تنصهر في بوتقة رمزية ودلالية موحدة داخل إطار رؤيوي كلي متسق ومنسجم. ومن المراجع التناصية التي تزخر بها القصيدة الإسلامية المعاصرة نجد:

1/ المرجع الديني: ويتمثل في استحضار القرآن والحديث النبوي والشخصيات الدينية وذكر الأماكن والأحداث الدينية...

2/ المرجع التاريخي:ويكمن في استحضار الشخصيات التاريخية التي تمثل محور الظلم أو محور الحق...

3/ المرجع الأدبي: ويكون باستلهام نصوص الشعراء والأدباء في تجاربهم الشعرية الذاتية و الموضوعية...

4/ المرجع الإنساني: ويتم ذلك باستلهام التجارب الإنسانية للشخصيات العالمية من مبدعين و فنانين و مؤرخين ومفكرين...

5/ المرجع السياسي: ويكون ذلك بالتفاعل تناصيا مع القضايا والخطابات السياسية..

6/ المرجع الصوفي: يدخل الشاعر الإسلامي في تعلق مع أدب المناقب والكرامات و النصوص الصوفية للحلاج و ابن عربي والنفري والبسطامي و السهر وردي...

وإيقاعيا، تحافظ القصيدة الإسلامية على الإيقاع ( وزنا وقافية)، مع نوع من التنويع لا يجعله متسيبا متحررا، ويعني هذا أن القصيدة العمودية ترد محترمة العروض الخليلي على مستوى الوزن والقافية، بيد أن القصيدة التفعيلية تتخذ نماذج إيقاعية متنوعة: تدويرا وسطرا وجملة ومتوالية مقطعية، كما تصبح القافية مرسلة متحررة تارة، ومطلقة مقيدة تارة أخرى. ويبقى السكون علامة إعرابية ونظمية ونغمية مفضلة لدى الشعراء الإسلاميين. كما يحضر في قصائدهم الشعرية التوازي الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي عبر التكرار واللازمة الشعرية واستثمار الإيقاع القرآني وفواصل الآيات وصياغة الحديث النبوي، والمزاوجة كذلك بين الأصوات المهموسة الدالة على المعاناة والاغتراب الذاتي والمكاني والأصوات المجهورة الدالة على الانتفاض والتحريض على الجهاد والحرب واستشراف الأمل المعسول والغد الأفضل.

وعلى مستوى اللغة، فهي لغة واضحة وسهلة ولينة ومهذبة بالبيان القرآني والنبوي تأبى الإغراب والغموض والإبهام، وتتخذ أبعادا تراثية وتاريخية ودينية، أي أنها لغة تناصية بكل معاني الكلمة ومكثفة بالإحالات المرجعية التاريخية والسياسية والإنسانية والأدبية، كما أنها حبلى بالملامح الرمزية القابلة للفهم والاكتشاف والتأويل. وهذا يعني أنها لغة موحية ومعبرة وانزياحية انزياحا مقبولا ومعقولا بعيدا عن هلوسات الحداثة وخرق الإبهام وتغر يبات الشعر الأدونيسي، وتمتاز اللغة كذلك بعفتها وسموها الأخلاقي وطهارتها الدينية بعيدا عن ألفاظ الجنس والعهارة والإباحة والكفر والتمادي في البوح بالمجون و الانحلال الخلقي والتغزل المادي الإباحي، ولا تخرج الحقول الدينية كذلك عن مراجع دلالية معينة كالدين والسياسة والاجتماع والتاريخ والطبيعة والتصوف والأدب والذات والموضوع...

وإذا انتقلنا إلى التركيب، فإننا نجد الشاعر الإسلامي يزاوج بين الجمل الاسمية التقريرية الدالة على الثبات والتأكيد والجمل الفعلية الدالة على الحركة والتوتر الدينامكي والدرامي، وهذا يدل على مدى تأرجح الشاعر بين ثنائية الألم والأمل، والشر والخير، والتشاؤم والتفاؤل، كما يلاحظ أن الصياغة التركيبية للنصوص الشعرية تحاكي الصياغة القرآنية أو النبوية أو المنقبية الصوفية أو السرد الحكائي اقتباسا وتضمينا.

وتمتاز الصورة الشعرية لدى الشعراء الإسلاميين بالوضوح الدلالي والمقصدي، واعتمادها على المتخيل الديني والمرجع التناصي وإسلامية الرسالة، كما ترتكز هذه الصورة على الانزياح والخرق والرمز بكل أنماطه، وخاصة الرمز الديني والصوفي والتاريخي والطبيعي لتجسيد صراع الذات والموضوع، والخير والشر، والإيمان والكفر، ويبتعد هؤلاء الشعراء عن استخدام الأساطير الوثنية معوضين ذلك بالرمز ووضوح المعنى والدال، و مركزين كذلك على الصورة النفسية والشعورية والذهنية دون نسيان جوانبها الجمالية والفنية، ويحضر التضمين أو الاقتباس باعتباره محسنا بديعيا مهيمنا في القصيدة الإسلامية المعاصرة إلى جانب الطباق والمقابلة.

وتداوليا، ينوع الشاعر الإسلامي ضمائره الخطابية، إذ يوظف ضمير المتكلم للتعبير عن الذات، وضمير الخطاب للحديث عن الموضوع المرجعي، وضمير الغياب للإحالة عن غياب الإنسان أو الموضوع، ويعني كل هذا أن الشاعر الإسلامي يستعمل الالتفات بكثرة وذلك بالانتقال من الذات نحو الآخر، ومن المحلي إلى الوطني، ومن العربي والإسلامي إلى الإنساني.

ويتضح مما سبق، أن القصيدة الإسلامية لهي قصيدة ملتزمة بالدين الإسلامي والهدي النبوي، وأنها قصيدة ذات تصور إسلامي للإنسان والكون والله، وأنها دفاع عن الهوية الحضارية والدينية والعقيدة الإسلامية، وهي ذات نزعة روحية وصوفية وثورية تستهدف تغيير الإنسان من الأسوإ إلى الأحسن عبر الحل الإسلامي، وتنطلق هذه القصيدة كذلك من الذات نحو الموضوع في إطار خطاب شعري جمالي وفني يعتمد على التناص والتضمين واللغة المهذبة دينيا والإيقاع المنساب بالشاعرية والصدق والحقيقة والعاطفة النبيلة والصورة الشعرية السامية.





هوامش الدراسة:

1- د. مصطفى الشكعة: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية- كتاب الشعر – دار الكتاب اللبناني بيروت، ط1، 1973، ص:105؛

2- العربي بن جلون: جدال وسجال، ص: 64؛

3- العربي بن جلون: ( حوار مع محمد علي الرباوي)، جدال و سجال، ص:64؛

4- د. عبد الباسط بدر: مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، دار المنارة، جدة، ط1، 1986، ص:46؛

5- محمد حسن أبريغش: الأدب الإسلامي: أصوله وسماته، دار البشير، عمان، ط1، 1992، ص:108؛

6- أحمد عبد اللطيف الجدع وحسين أدهم جرار: شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، الجزء الأول، ص:9؛

7- عمر الملاحي:تجليات الوعي في القصيدة الإسلامية المعاصرة، رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب، وجدة، المغرب، تحت إشراف الدكتور حسن الأمراني، السنة الجامعية1999-2000، ص:24؛

8 د. محمد علي الهاشمي: ( من عيون الأدب الإسلامي –دراسة في شعر محمد مفلح)، مجلة الأدب الإسلامي، السنة2، العدد6، شوال 1415هـ؛

9- محمود مفلح: ديوان" إنها الصحوة...إنها الصحوة"، دار الوفاء، مصر، ط1، 1988، ص:8؛

10- محمود مفلح: نفسه، صص:9-11؛

11- أحمد مطر: ديوان" إنني المشنوق أعلاه" قصيدة ما بعد النهاية، ط1، لندن، 1989، ص:38؛

12- حسن الأمراني: ( أوراق مهربة من زمن الحصار)، ديوان الزمان الجديد، دار الآمان، ط1، 1988، ص: 171؛

13- حسن الأمراني: نفسه، ص: 90؛

14- مصطفى محمد الغماري: ديوان" حديث الشمس والذاكرة"، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص. ص:17-18؛

15- مصطفى محمد الغماري: نفسه، ص:78؛

16- انظر سليم زنجير:مجلة الأمة، عدد26، السنة الثالثة، صفر1403؛

17- أدونيس: أبجدية ثانية، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، ط1، 1994، ص:27؛

18- أنظر د. محمد حسن أبريغش: الأدب الإسلامي: أصوله وسماته، دار البشير، عمان، ط1، 1986، ص.ص:141-142؛

19- صابر عبد الدايم: مجلة الأدب الإسلامي، المجلد الخامس، العدد العشرون، 1419هـ؛

20- د. حسن الأمرانيSad كاملية إلى المستضعفين في الأرض)، مجلة الأمة، العدد:62، صفر 1406، ص: 16؛

21- د. حسن الأمراني: ( كاملية إلى المستضعفين في الأرض)، مجلة الأمة، ص:19-20[/center]

رفاعي وافتخر

المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 31/08/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى